Home

13 Apr 2026

وسمية تخرج من الجهراء



















تقف السعلوة وسمية بين أرفف جمعية ام الدود رافعة خشمها ومادّة البوز تدفع بعربانة الجمعية ذات العجلة المُعوقة ، تدفعها تارة وتقف تارة لتخرج أطراف عبائتها من غطاء العجلة مما جعلها تقترب من مرحلة فقدان الأعصاب ، خاصة مع أشباه الأطفال المليئين بالبراءة الشديدة ، تحملق فيهم وفي دشاديشهم الصغيرة تفكر وتستنتج وتفرز جميع ملامح الطفولة الممكن ان تتواجد فيهم خلال تقحيصهم بين الأرفف فلا تستطيع ان تفهم كيف هي الطفولة هُنا بالذات !!! ، تستدير بعينيها وتدور وتبحث عن بعض اغراضها لكنها غير متوفرة كالعادة فلاشيء هنا سوى حبيبات الغبار تعلو جميع العلب والأغراض والأرفف ، لا تصل الى الكاشير حتى تتحول اصابع يديها الى اللون الرمادي ، تتسائل كيف لجمعية جديده أن تتحول الى هذه الفوضى العارمة من الداخل والخارج ، تحمل الأكياس وهي تفكر وتقرر انها ستذهب الى جمعية الجهراء فلابد انها أفضل وأجمل واكثر ترتيباً






هكذا تنتابها لحظات الإنجراف الغير مسبوقة ومدروسة فتتوجه الى طريق الملك فهد وتنطلق الى وجهتها وفي نهار هذا الصيف الحار والذي يؤثر في سلامتها العقلية في اتخاذ القرارت والتعامل مع أشياء بسيطة لتخرج بأشياء خارج نطاق العادة كذهابها من اقصى الجنوب الى أقصى الشمال السكاني.





تسير وتسير وتسير في هذا الطريق الطويل ، يكاد يكون كطريق السفر في الصحراء السعودية عندما تغير مسارها الى الدائري الصحراوي المقفر والمسمى بالدائري السابع، تقود ويُخيَّل لها امواجاً من السراب الكرستالي تنظر اليه والى الإسفلت الذي يلتهب من حرارة الشمس ممتداً على مد البصر، يضرب هواء التكييف على وجهها، وصوت مذيع المارينا يثير أعصابها من تفاهته ، كانت ضحكته التي تسبب حرقان في المعده يخترق أغوار عقلها الباطن ويضغط على كل عروق للعصبية لكنها تستمر في الإستماع إليه .



تذوي بشرتها البيضاء متحولة الى الفوشي من القيظ الذي تدخل اشعته من جامات السيارة ويُبطِل سحر التكييف الجهيد في توفير جو بارد يسرسح عالقلب مثل الدندرمة لكن بلا فائدة، وهذا الطريق آه انه لاينتهي ، تحاول ان تتذكر اغنيه لأبو بكر سالم كانت تحب ان تستمع عليها عندما كانت تسهر مع اشخاص لايتعدون اصابع اليد الخمسة على المسنجر فتعجز عن تذكر اللحن او الكلمات ، هي موجودة في مكان ما وقريبة لكنها تعجز تماماً عن تذكرها ، أبغض شيء عندما تعلم ان هناك شيء موجود ولكنه غير موجود.. يمر الوقت تصبح الإتجاهات بالنسبة لوسمية حلزونية تسبب الصداع.





القيادة وحيده تعتبر تذكرة إيّاب لذكريات واحداث اليوم والأسبوع والشهر او السنوات كلها تأتي وتتزاحم كل واحده تطلب أن تكون أولى بالأهمية ، تبدأ سعيدة وبإبتسامة وتنتهي ربما بدمعة تختنق على اسوار عينيها ، كسنوات عمر الطموح والتخطيط والأمنيات والأحلام الكبيرة التي تبدأ بالخبو والتضائل وصولاً الى عمر الحسرة على الجمود والتوقف ومحاولة فهم ما حصل ولم كل هذا الهدر الذي حصل ، إلا ان الفرج بات يلوح لها من بعيد ليخرجها من حالة الذكريات الشرسة عندما شاهدت هذا المبنى المهيب فتنفرج الأسارير وتتهلل ملامح الوجه فتخفّف من قبضتها على السكّان وترخي كتفيها وتعود برأسها الى مسند الرأس وتتنفس الصعداء .



تلمح وهي جالسة تلك الجموع الغفيرة المتجمهرة امام جمعية الجهراء العظيمة ، والكثير من البياض .. دشاديش متداخلة في بعضها وعقل تطير وغتر تُداس بالأقدام تتحدث لنفسها :



أبيييييييييييييييه اشصاااير ؟!!!!......... واي واي واي واي هوووشه؟؟!!



تترجل وسمية من السيارة تسير الى المبنى وتمر بجانب محل يبدو كمحل للتحف كان فارغاً من الزبائن تمنت لو تدخله ، تصل الى باب الجمعية وترا انه لا يوجد فرصة للدخول مع هذا العنف الجاري أمامها فتقرر ان تعود أدراجها من حيث أتت ، وهي واقفة تكاد تهم بالمغادرة ينظر إليها رجلين يحدثها احدهما :





أنتِ شكلك مب من اهل الجهرا ؟... تبولع وسمية بريجها ويخرج صوتها خافتاً : هااااااااا
يقول الثاني : إلاّ مب من اهنيهّ ..شوف وجهها..



لااااااااااا ما يبيله خل انحاش وايد احسن ، تعطي وسمية عرض اكتافها وتقرر العودة قبل ان تقع في مشكلة او تتعرض الى اصابات غير حميدة ويأتيها صوت والدها الغاضب يلوح في أفق خيالها يزف ويزف ويزف على مدار ساعة ، يحمر وجهها وتضج الدماء في خديها وترتفع حرارة جسدها وتتندّى منابت شعرها بالعرق.... يااااااااااااااااااألله شيء صعيب وعصيب .



لكن تفكك الجماهير وعودة الأوضاع الى الهدوء بشكل سريع جعل قلبها يطمئن للبقاء فتقرر الدخول وترفع اطراف عبائتها الطويلة دوماً وتدخل بسم الله .





تبدو كمدرسة أو مجمّع بمحلات يتوسطها مساحة بأرضية من الرخام المبلل وعامل النظافة يجاهد على نفسه بممسحته الملفوفة بخرقة قذرة يمسح بها الأرضيه، لم يعد احد يغسل الأرض بهذه الطريقة!! امممممممممم ... تنظر وسمية اليه فيتوقف ويتخوصر ويتكأ على طرف الممسحه ليبادلها النظر ببلاهه ، ترفع قدميها وتمشي وسمية على اطراف الأصابع حتى وصلت الى المحل الأخير وتقع عيناها على أجمل بقعة او محل من المحلات التي تجلب اليها المتعة اللامتناهيه في أي مكان على وجه الأرض يشابهه او يحمل نفس نشاطه التجاري ، طبعاً هو محل لمستلزمات الرسم ، تشهق لأنواع الكانفاس الجاهز للرسم والمصنوع من جلد الغزال المشدود على الإطارات الخشبية وانابيب الألوان المختلفة وانواع الميكسد ميديا والوسائط والفرش على مختلف انواعها. حتى يكاد يقفز قلبها من قفصها الصدري من شدة الإثارة .



تبدأ بتخيل رسوماتها التي ستنتجها بعد عملية الشراء . بورتريه لعروس كويتية بلباسها التقليدي التراثي وعلى هذا الإطار الآخر فريج لكويتي قديم وبنات يلعبن الحيله ( الحجلة ) لتبدأ فوراً بالإنتقاء حسب ميزانيتها ، تخرج كرت البنك الأخضر وتنظر اليه بحقد وغيض وتتمنى لو انها غيرته الى كرت البنك الأزرق لأنه كشخه اكثر وعملائه آخر دلع مقارنة مع البنك الأخضر، إلا ان وسمية تعرف تماماً انه ليس البنك إنما رصيدها البالغ900 فقط كان مبلغاً زهيدا جداً مقارنة بما تريد حمله من هنا ، يقاطعها رجل في المحل مشيراً الى صاحب المحل إلى ان يعطيها خصماً على جميع أغراضها وهو لا يزال محدقاً اليها متأملاً يحاول استكشاف شي لايستطيع فهمه ويتحدث مرتبكاً ومنحرجاً كذلك كان كمن لا يعرف لم تستولي على تفكيره بهذه الطريقة لم يستطع فهم ماحدث.. يتجرأ فيسألها :



شكلج مو من الجهرا.. الملامح مو جهراوية
انا اسف اذا تطفلت عليج



لا عادي



وسمية عادية ، لكنها جميله بشكل غير ملفت للنظر جميلة بشكل لايدعو الى التوقف أو الملاحقة بالسيارة من النظرة الأولى لكنها دوماً تدعو الى التساؤل عند النظرة الثانية ، والى التأمل في الثالثة، وإلى الإعجاب في الرابعه ، وربما الوقوع في الحب حتى قمة الراس اذا استمر شخص ما بالخز .



تشعر وسمية بالوضع الغير عادي فتنتهي وتخرج سريعاً من المحل ، كان الظلام قد حل سريعاً بشكل غريب ، تصل الى السيارة وتقف عندما تتذكر انها نسيت زيت التربنتين فتعود بسرعه وتخبر صاحب المحل انه قد نسي ان يضع التربنتين ، كانت تأكّد عليه ان لا ينساه إلا انه قد نسيه، يبتسم ويعتذر ويناولها علبة متوسطة تأخذها وتخرج ، تشغل السيارة لتعود الى المنزل عندما يتقدم صاحب المحل راكضاً ويتهمها بالسرقة ويتجمع الزبائن واصحاب المحلات حولهما .




يصرخ في وجهها : إنتي حرامي…



لم تستطع وسمية فهم ما حدث كانت الصدمة ووقاحة هذا الرجل وإصراره على أقواله جعلها تقف عاجزة عن التفكير في أي شيء ، أصبح عقلها فارغاً من أي قدرة على التصرف وهي تنظر الى الناس التي تجمعت على الزوبعة التي أثارها الرجل الإيراني صاحب المحل ، تغرورق عيناها بالدمع لأنها لم تفعل شيئاً هي فقط اشترت أدوات للرسم ، يجتمع اضعاف مضاعفة من الجماهير الجهراوية والكثير من البياض الممتد على النقيض من السماء التي انقلبت الى غيوم سوداء تبعث على الخوف والحزن ، ومن كثرة الناس وصلت جموعهم الى شواطيء البحر ووسمية تتقدمهم وهي تحاول ان تبتعد عنهم ، والرجلين اللذين قابلتهما عند بوابة الجمعيه كانا هما من يتقدمان الحشد يتشاجران من أجل وضد وسمية الفتاة الغريبة البريئة كان الناس منقسمين معها وضدها والرجلان يهجوان بعضهما البعض ويتشاجران شعرا حتى بدا لوسمية ان الأمر سيستمر الى الأبد .



لم تحتمل الظلم ولم تحتمل ماحصل ولم تحتمل أبداً المواجه وكيف انقلب اهل الجهراء الى شُقّين لم تحتمل أبداً أن تكون سببا في فرقة اهل منطقة واحده ولم تحتمل أيضاً الغرابة التي كانت تمر عليها منذ ان استيقظت صباحاً ، كان كل شيء يقودها الى هذا المكان بشكل لايُفسّر، تخطو وسمية الى الوراء بقدمين مرتجفتين لا تقويان على الوقوف تركض وسمية وتقع تصل الى البحر وتلج فيه ، فيتوقف الناس عن التشاجر وتخفت الأصوات وتتجه الأبصار الى وسمية تناديها حتى تتوقف فلا تتوقف، تسير في غمار البحر والموج حتى اختفت وابتلعها الماء كانت وسمية تغوص الى عمق البحر المُظلم تتسرب ذاكرتها ومشاعرها وكل شي يتعلق بحياتها من مسامات جلدها ، كانت وسمية تذوب مع البحر ليتحول سواده المُستجد الى زرقة شفافة تبدأ بوسمية كجسد ، يخرج ضياء الألوان الجميله الى كل شيء يليها ، تتصاعد من البحر الى السماء يفتت بهائها تلك الغيوم المُلبدة لتطل من تحت وشاحها الرمادي زرقة السماء ، زرقة فوق زرقة ، نور في السماء وتحت القاع، عاد كل شيء في الدنيا الى الوانه وعادته وصخبه ، حتى الهواء الذي كان جاثماً كالرطوبة الشديدة اصبح نسيماً ، كل شيء عاد إلا وسمية .



البحر كان وسمية
وسمية هي البحر
خرجت منه
وإليه عادت..!!




انتهى الحلم 









* وسمية الحقيقية فتاة زاملناها لسنة ونصف طيبة القلب غريبة الأطوار نوعاً ما ، تعرضت لمضايقات من مجموعة من الفتيات اللئيمات واستغلوا خبراً تحدثت به عن نفسها بأخذها مضادات للإكتئاب فأثاروا حولها الإشاعات بأنها مجنونة ومختلة عقلياً حاصروها ، وآلموها حتى تركت الدراسه واختفت 
وانقطعت اخبارها . 

١-٦-٢٠١٦

No comments: