تتمطط الأوقات وتكتسب بُعداً أطول مما نعهده في الــ24ساعة ، تُصبح إشراقة الشمس وغروبها شيئاً نترقبه بشغف أوسع مما تعودنا عليه .. فيحالة الإنتظار تبدو الشهور المُقبلة غيرمقبولة بتاتاً مُقارنة بما مر من سنوات مضت وقد نُبطيء من الخطوات السريعة المتلاحقة المواضبة للوصول الى نهاية البداية والإقبال إلى البداية الجديدة الأخرىعندما يتراءى لنا ذاك الشريط المعقود في نهاية الخط الذي اعتقدنا انه لن يأتي يوماً إلاَ أننا نكتشف وبعد لحظات المجد لوصولنا إليه أنها تتلاشى ووتتضائل حتى تصبح شيئا عاديا جداً في اليوم التالي .. الذي نستيقظ ونحن نحمل هدفاً جديداً آخرنريد أن نبلغه وأن النهاية التي كنا نعتقد اننا وصلنا إليها أخيرا ما هي إلا بداية لشيءٍ وشريط معقود آخر في نهايته أو ربما أنها النهاية فقط لكل شي حُلو ومُر .
حالة الإنتظار التي نعيشها مابين الحلم والحلم ومابين الهدف والهدف هذه ، تخلق في النفس النقيض في كل شئٍ ربما قد نشعر به .. الأمل واليأس .. السعادة والحزن .. الشغف ثم الملل.. الرغبة في إرتداء الألوان أو جُموح شديد الى سواد العباءة.. كلها تعيش مع بعضها البعض بشكل طبيعي جدا في هذه المرحلة البغيضة ، لا اعرف كيف تجتمع النقائض وتتعايش في مكان واحد ولكني أعرف أنه ممكن .. هذا الإنتظار الذي ولربما كان هو من يحث البعض على الكتابة وعلى التلوين وعلى الخيال قد إستأثر بنا خالصا له خلال سنوات مضت حتى نسينا كيف تكون المُبادرات .
في نفس هذا الإنتظار .. قد نتوقف كثيرا دون أن نتسائل كيف ستكون الأنا وما حولها لو أننا خطونا خطوة أخرى في طريق ما ، ونصمت أكثر فننسى كيف نتحدث للآخرين عما يعتمل بدواخلنا ، فقط يتساقط حديث الدنيا في ذاك القلب المُستعر بالوقت .
في هذا الزمن المفتوح على الوقت تنتاب السعلوة لحظات الإنجراف الغير مسبوقة ومدروسة فتتوجه الى طريق الملك فهد وتنطلق الى وجهتها وفينهار صيف حار يؤثر في سلامتها العقلية في اتخاذ القرارت والتعامل مع أشياء بسيطة لتخرج بأشياء خارج نطاق العادة كذهابها من اقصى الجنوب الى أقصى الشمال السكاني .
تسير وتسير وتسير في هذا الطريق الطويل ، يكاد يكون كطريق السفر في الصحراء عندما يتغير مسارها الى الدائري الصحراوي المقفر والمسمى بالسابع، يُخيَّل لها امواجاً من السراب الكرستالي تنظر اليه والى الإسفلت الذي يلتهب من حرارة الشمس ممتداً على مد البصر، يضرب هواء التكييف على وجهها،وصوت مذيع ما تخترق تفاهته أغوار عقلها الباطن ويضغط على كل عروق للعصبية لكنها معذلك تستمر في الإستماع إليه .
تذوي بشرتها من القيظ الذي تدخل اشعته من نوافذ السيارة ليُبطِل سحر التكييف المُجتهد في توفير جوبارد لكن بلا فائدة، وهذا الطريق... انه لاينتهي ، تحاول ان تتذكر اغنيه لأبو بكر سالم تستمع إليها عندما كانت تسهر مع شخص لا تستطيع أن تدعوه الآن بأكثر من صديق ، لا زالت تعجزعن تذكر اللحن او الكلمات ، هي موجودة في مكان ما وقريبة لكنها تعجز تماماً عن تذكرها ، أبغض شيء عندما تعلم ان هناك شيء موجود وحقيقي ولكنه غير موجود.. يمرالوقت وتصبح الإتجاهات بالنسبة لصيتة حلزونية تسبب الصداع.
ركوب السيارة وإلتزام الصمت تعتبر تذكرة إيّاب لذكريات واحداث اليوم والأسبوع والشهر او السنوات كلها تأتي وتتزاحم كل واحده تطلب أن تكون أولى بالأهمية ، تبدأ سعيدة وبإبتسامة وتنتهي بدمعة تختنق على اسوار عينيها ،كسنوات عمر الطموح والتخطيط والأمنيات والأحلام الكبيرة التي تبدأ بالخبو والتضائلوصولاً الى عمر الحسرة على الجمود والتوقف ومحاولة فهم ما حصل ولم كل هذا الهدرالذي حصل ، إلا ان الفرج بات يلوح لها من بعيد ليخرجها من حالة الذكريات الشرسةعندما شاهدت هذا المكان المهيب فتنفرج الأسارير وتتهلل ملامح الوجه فتخفّف من توترهافي المقعد الخلفي وترخي قدميها وتتنفس الصعداء .
تلمح وهي جالسة تلك الجموع الغفيرة المتجمهرة من الشباب ،والكثير من البياض .. دشاديش متداخلة في بعضها وعُقلٌ تطير وغُترُ تُداس بالأقدامتتحدث لنفسها :
ما الذي يحدث هًنا ؟!!...
تترجل صيتة من السيارة تسير تصل الى مدخل المكان وترا انه لا يوجد فرصة للدخول مع هذا العنف الجاري أمامها فتقرر ان تعود أدراجها من حيث أتت، وهي واقفة تكاد تهم بالمغادرة ينظر إليها رجلين يحدثها احدهما :
أخيراً وصلتي ..
في قرارة نفسها تقرر التراجع والرحيل، تعطي صيتة عرض اكتافها وتقرر العودة قبل ان تقع في مشكلة او تتعرض الى اصابات غير حميدة ويأتيهاصوت والدها الغاضب يلوح في أفق خيالها يزف ويزف ويزف على مدار ساعة ، لكن تفكك الجماهير وعودة الأوضاع الى الهدوء بشكل سريع جعل قلبها يطمئن للبقاء.
صيتة عادية ، لكنها جميله بشكل غير ملفت للنظر، جميلة بشكل لايدعو الى التوقف أوالملاحقة بالسيارة من النظرة الأولى لكنها دوماً تدعو الى التساؤل عند النظرة الثانية ، والى التأمل في الثالثة، وإلى الإعجاب في الرابعه ، والوقوع في الحب حتى قمة الرأس اذا استمر شخص ما (بالخز) * .
قريباً من المكان يجتمع اضعاف مضاعفة من الجماهير والكثير من البياض الممتد على النقيض من السماءالتي انقلبت الى غيوم سوداء تبعث على الخوف والحزن ، ومن كثرة الناس وصلت جموعهم الى شواطيء البحر وصيتة تتقدمهم وهي تحاول ان تبتعد عنهم ، والرجلين اللذين قابلتهما عند بوابة المكان الجميل كانا هما من يتقدمان الحشد.
لم تحتمل أيضاً الغرابة التي كانت تمر عليها منذ ان استيقظت صباحاً ، كان كل شيء يقودها الى هذا المكان بشكل لايُفسّر، تخطو صيتة الى الوراء بقدمين مرتجفتين لا تقويان على الوقوف تركض صيتة وتقع تصل الى بحر أوهامها وتلجفيه ، فيتوقف الناس عن الهمهمة وتخفت الأصوات وتتجه الأبصار الى صيتة تناديها حتى تتوقف فلا تتوقف ترتفع الأصوات منادية للإمساك بها ، تسير في غمار البحر والموج حتى اختفت وابتلعها الماء كانت صيتة تغوص الى عمق البحر المُظلم تتسرب ذاكرتها ومشاعرها وكل شي يتعلق بحياتها من مسامات جلدها ، كانت صيتة تذوب مع البحر ليتحول سواده المُستجد الى زرقة شفافة تبدأ بصيتة كجسد ، يخرج ضياء الألوان الجميله الى كل شيء يليها ، تتصاعد من البحر الى السماء يفتت بهائها تلك الغيوم المُلبدة لتطلمن تحت وشاحها الرمادي زرقة السماء ، زرقة فوق زرقة ، ونور فوق نور، عاد كل شيء فيالدنيا الى الوانه وعادته وصخبه ، حتى الهواء الذي كان جاثماً كالرطوبة الشديدة اصبح نسيماً ، كل شيء عاد إلا صيتة السعلوة .
*صيتة كانت خروف العشاء ... بعد التصويت.
وللأمانة وللتاريخ وللمدونة هي زميلة سابقة كذلك ، حلمت بها فأحتجت أن أُخرج كابوس ذكراها من عقلي الباطن .